للتواصل معنا عبر الواتساب 0060173393832
 

القيم الإنسانية في سورة الحجرات خطبة جمعة

القيم الإنسانية في سورة الحجرات خطبة جمعة القيم الإنسانية في سورة الحجرات خطبة جمعة



إضافة رد
القيم الإنسانية في سورة الحجرات خطبة جمعة
القيم الإنسانية في سورة الحجرات خطبة جمعة
قديم منذ /05-03-2020, 04:31 AM   #1
دليل ماليزى

ضحكة خجل غير متواجد حالياً

 تاريخ التسجيل : Mar 2020
 المشاركات : 2

القيم الإنسانية في سورة الحجرات خطبة جمعة

القيم الإنسانية في سورة الحجرات
***************************************
الحمد لله ربِّ العالمين، اختار لنا الإسلام ديناً، والقرآن كتاباً، والكعبة قبلةً، وسيِّدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم نبياً ورسولا.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، أعزَّنا بهذا الدين، ورفع شأننا عنده في الدنيا وجعلنا في الآخرة من عباده المقربين - إن تمسكنا بما أوصانا به، وصرنا دائماً وأبداً نَعِي أننا عباد الله المسلمين.


وأشهد أن سيِّدنا محمداً عَبْدُ الله ورسوله، اختاره الله عزَّ وجلّ على حين فترةٍ من الرسل، وقضى به على الجاهلية، وأزال به وبشريعته الشِّركَ والوثنية، وأحيا به هذه الأمة حياة تقيَّة نقيَّة، صاروا فيها في الحقِّ سواء، وجعلهم الله عزَّ وجلّ إخوةً متآلفين متكاتفين، يسعون إلى الخير وإلى العمل الصالح في الدنيا ليفوزوا بالسعادة الأبدية يوم الدين.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيِّدنا محمدٍ، الذي جعلته ختام الأنبياء والمرسلين، وجعلت شريعته وكتابه مُهيمِنَيْن على ما جاء به النبيِّون والمرسلون، وجعلته إماماً للناس جميعاً يوم الدين وشفيعاً للخلق أجمعين.
صلِّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وكلِّ من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين.

إخواني جماعة المؤمنين:

ذكر لنا الله تعالى آياتٍ من كتاب الله عزَّ وجلّ في سورة الحجرات، وهي سورة الآداب الإلهية التي أوصى الله بها عزَّ وجلّ المؤمنين، ليسعدوا في حياتهم الدنيوية، وتصير مجتمعاتهم مجتمعات تقيَّة نقيَّة، لا فيها غلٌّ ولا حقدٌ ولا حسدٌ، ولا شيء مما يُغضب الله، أو أمرٌ تُنتهك به شريعة الله. ووالله - يا إخواني - لو عملنا بهذه السورة لسعدنا في دنيانا أجمعين، وكنَّا في يوم القيامة إن شاء الله من الفائزين.

وأكتفي بحقيقة واحدة في صدر آية قرَّرها الله عزَّ وجلّ في هذه السورة، وألزم بها المؤمنين – السابقين، والمعاصرين، واللاحقين - في أى بلدٍ أو أى مجتمعٍ من المجتمعات، عليهم أن يطبقوا هذه الحقيقة في كل أوضاعهم وفي كل حالاتهم، ماذا قال الله لنا؟
"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" (10الحجرات).

كلُّ المؤمنين، كلُّ مَنْ قال: (لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله)، في أى موضعٍ في الدنيا، في أى مكانٍ في الأرض، فهو أخٌ لنا، له حقُّ الأخوة الإيمانية في أعماقنا، وإن لم نَقُمْ بهذا الحقِّ حاسبنا عليه يوم القيامة ربُّنا عزَّ وجلّ.

ما هذا الحق الذي علينا لإخواننا المؤمنين؟
يوضِّح النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم في سُنَّته بعض هذه الحقوق فيقول صلوات ربي وتسليماته عليه:
(المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يُسْلِمُه، ولا يحقره، بحسب أمرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه). (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)
صلوات ربي وتسليماته على هذا النبيِّ الذي لا ينطق عن الهوى،
"إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" (4النجم).


سمع أصحاب النبيِّ هذه الآيات وإلى تفسيرها من كلام خاتم الأنبياء والمرسلين، فألغوا العصبية الجاهلية، ولم يَعُدْ الواحد منهم يهتم - أول ما يهتم - بالعصبية إلى قبيلته، أو إلى أسرته، أو إلى بلدته، أو إلى دولته، وإنما كانت العصبية لله، ولدين االله، ولكتاب الله، ولكل المؤمنين بالله عزَّ وجلّ.

تعالوا معي إلى واقعة من وقائع المسلمين وهي غزوة بدر: كان من جيش المسلمين في هذه الواقعة مصعب بن عُمير رضي الله عنه، وبعد انتهاء الواقعة مرَّ ليتفقَّد الجيش فوجد أخاه لأمه وأبيه - وكان مشركاً - أسيراً مع نفرٍ من المسلمين، فناداه: يا مصعب استوصي بي خيراً، فالتفت إلى المسلميْن اللذين أسراه وقال لهما: استوصوا بأسيركما خيراً ولا تُفرِّطا فيه، فإن أمَّهُ غنيّة وستفديه بمالٍ كثير. فقال له أخوه لأمه وأبيه معاتباً: أهذه وصيتك بأخيك؟ قال: لستَ أخي، وإنما هؤلاء أخوتى، والإسلام فرَّق بيننا. بعد أخوة الإسلام لا أخوُّة بينهم وخاصَّة بعدما سمعوا الحبيب صلى الله عليه وسلَّم يقول:
(أدخل الإسلام بلالاً - وهو الحبشي - في نَسَبِي، وأخرج الكُفرُ أبا لهبٍ - وهو عمُّه - مِنْ نَسَبِي).

فنسب الإسلام هو الذي يحرص عليه المسلم على الدوام، لأنه النسب الذي ارتضاه لنا الواحد الملك العلام عزَّ وجلّ.

والحقيقة الثانية في هذا الأمر: كيف نُبجِّل المسلمين؟ ومن الذي يستحق منهم التكريم؟ ومن الذي ينبغي له التبجيل؟ عملوا بقول الله: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ" (13الحجرات) .. التقوى!!
ولما كانت التقوى في القلوب، ولا يطلع عليها إلا حضرة علام الغيوب، فأصبح هذا الأمر غير مطروحٍ بالمرَّة، لأنهم كانوا كلُّ رجُلٍ منهم يعتقد تمام الإعتقاد أن إخوته المؤمنين جميعا خيرٌ منه عند الله عزَّ وجلّ، وخاصَّة بعد قول الحبيب صلى الله عليه وسلَّم:
(لا فرق بين أحمر ولا أسود ولا أبيض ولا أعجمي ولا عربي، إلا بتقوى الله والعمل الصالح). (رواه أحمد عن جابر بن عبدالله)

وكان جالساً صلى الله عليه وسلَّم في ملإٍ من أصحابه، ومرَّ بهم رجُلٌ تبدو عليه الأبَّهة والوَجَاهة، لأنه من الأثرياء في الدنيا، فقال صلى الله عليه وسلَّم لمن حوله:
(ما رأيكم في هذا - وأشار إليه؟ قالوا: هذا حرىٌّ إن خَطَبَ أنْ يُنكح، وإنْ استأذن على الأمراء يُؤذَنُ له، وإنْ تكلَّم يُسمع له. فسكت صلى الله عليه وسلَّم. ومرَّ عليهم بعده رَجُلٌ في ثيابٍ خَلِقَة، لا يبدو عليه إلاَّ الرثاثة، فنظر إليه النبيُّ وقال لمن حوله: وما رأيكم في هذا؟ قالوا: هذا حرىٌّ إن خَطَبَ ألا يُنكح، وإن إستأّذن على الأمراء لايُوذن له، وإن تكلَّم لا يُنصت له. فقال صلى الله عليه وسلَّم: هذا عند الله عزَّ وجلّ - وأشار إلى الأخير - خيرٌ وأعظم من ملء الأرض من مثل هذا - وأشار إلى الغني). (البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه)

"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ" (13الحجرات)،
فوضعوا أخوة الإسلام هي الأخوة الدائمة لأنها هي الأخوة الباقية في الدنيا والآخرة، وقاموا لهذه الأخوة بحُرماتها وحقوقها وواجباتها لله طلباً لمرضاة الله.

انظر يا أخي إلى ما نحن فيه وما كانوا عليه!!! نرى الأخ من الأب والأم يهجر أخاه، وربما يشكوه في المحاكم، ويقاطع أولاده من أجل ميراثٍ فاني، قطعة أرضٍ أو بضع جنيهاتٍ ورثاها سوياً عن الأبوين!!! بينما نجد الأخوة في الله، يأتي الرجل من بلدة بعيدة، ومن ديارٍ بعيدة، لا علاقة له به، ويدخل المدينة مُسْلِماً، فيذهب الأنصار إلى حضرة النبيِّ، كلُّهم يَوَدُّ أن يستضيف ضيفَ النَّبِيِّ ويُؤآخيه!! لا يُضيِّفه ليلة أو بضع ليالي ويتركه، وإنما يؤآخيه!! حتى قيل في الروايات: أنَّ الرجل كان يجتمع عليه خمسون رجلاً من الأنصار، كلُّ واحدٍ منهم يُريد أن يفوز به.

فكان النبي صلى الله عليه وسلَّم لمَّا يجدُ ذلك يُجري القرعة بينهم، ومن تقع عليه القرعة يفرح كأنه فاز بجائزة عظيمة لأنه فاز بأخٍ في الله!! يأخذه ويصير له أخاً في الدنيا والآخرة، ويأخذه إلى بيته ويقول له:
(هذا مالي ويقسِّمه ويقول له: اختر أيهما شئت، وهذا بيتي ويقسِّمه نصفين ويقول له: اختر ماشئت، وإن كان غير متزوجٍ - وله زوجتان - يقول: انظر إليهما، فأيهما أعجبتك أطلِّقها، وبعد انتهاء عدَّتها تتزوجها).

ما هذا الذي حدث؟
بحبوحة الإيمان!!
انشراح الصدور للإسلام!!
إمتلاء القلوب بنور حضرة الرحمن!!!
الإيمان الذي يقول فيه ربُّ العزِّة عزَّ وجلّ:
"مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا" (52الشورى).

هذا النور الإيماني جعل هذه الوسعة في الصدور، فكانوا فيما بينهم لا غلَّ ولا حقد ولا حسد، ولا شُحَّ ولا طمع، ولا كلمة نابية، ولا عبارة جافية، ولا خصومة ولا مشاجرات ولا مشاحنات!!! انطبق عليهم قول الله - والذي نرجوا أن يعُمَّنا أيضاً في هذه الدنيا إن شاء الله - عن أهل الإيمان الذي ينبغي أن يكونوا عليه في كل زمان ومكان:
"وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ" (47إبراهيم).

تولَّى سيدنا أبو بكر - بعد انتقال الحبيب صلى الله عليه وسلَّم إلى الرفيق الأعلى - الخلافة، وعَيَّنَ قاضياً واحداً لدولة الإسلام، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والمحكمة في المسجد، وليس معه حُجَّاب ولا سكرتارية، ولا هناك محامون يدافعون، والراتب كان يُصرف من بيت مال المسلمين كل سَنَة - وأنتم تعلمون جميعاً أننا كنَّا نصنع المثالية في العصور الماضية لمن يقومون بأعمال خيرية لنا في مساجدنا أو في مقابرنا أو غيره - ومرَّ عام، واستدعى الخليفة القاضي ليُعطيه أجره عن العام الذي عمل فيه، فقال القاضي رضي الله عنه:
لا حقَّ لي في هذا المال. قال: ولِم؟ قال: لأنني في هذا العام لَمْ تُعرض علىَّ قضية واحدة. فأراد أن يُبيِّن السبب لمن حوله فقال: ولِم؟!! فقال: إن قوماً آمنوا بربِّهم، وتابعوا نبيَّهم، وجعلوا كلامَ الله وكتابَ الله حَكَمَاً بينهم، لا يحتاجون إلى قاضٍ يحكم بينهم.

ألم يكن بينهم مزوُّرين؟ ألم يكن بينهم كذَّابين؟ ألم يكن بينهم أفَّاكين؟ ألم يكن بينهم مُدلِّسين؟ ألم يكن بينهم ظالمين؟
لم يكن ذلك!! لأنه من كان فيه خصلة من هذه الخصال فقد خرج من دائرة المسلمين. يقول النبي صلى الله عليه وسلَّم في المسلم - لنعرف مَنْ هو المسلم:
(المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ). (البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما)

لا يؤذي بلسانه مسلماً قطّ!! إن كان بسبٍّ أو شتمٍ أو لعن أو كذبٍ أو تشنيعٍ. ولا يؤذي بيده إن كان بسرقة أو قتلٍ بسلاح أبيض أو غيره. لا يؤذي مسلماً قطّ لأن المسلمين إخوة، فكيف يؤذي إخوته المؤمنين؟ إذا فعل ذلك فقد خرج من دائرة الإسلام عندما يفعل ذلك

ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلَّم عندما كان في حجِّة الوداع، خطب حوالي عشر خُطب، مرَّةً بجوار الكعبة، ومرَّةً على عرفات، ومرات في منى، وفي كلِّ خطبة يُكرِّر قولاً واحداً في جميع هذه الخطب: (كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ).( رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)
إذن مَنْ يَسْتَحِلّ دمَ مسلمٍ ليس بمسلمٍ، مَنْ يَسْتَحِل عِرْضَ مسلمٍ ليس بمسلمٍ، مَنْ يَسْتَحِل مالَ مسلم بغير حقٍّ ليس بمسلم. هؤلاء خرجوا من دائرة الإسلام، وإن كانوا يؤدون العبادات، ويكثرون من الطاعات!! إلاَّ أنهم غُرِّر بهم وخرجوا من دائرة الدين الحنيف، لأن: (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ).

انظر إلى أدب الأولين!! حدث خلافٌ بين رجلين من رجال الصحابة - وهما سيدنا خالد بن الوليد وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما - والمنافقون موجودون في كل زمان، وإن كانوا في عصرهم قلِّة وفي عصرنا زادوا كثرة، فذهب أحد المنافقين إلى خالد وقال:
أما سمعت ما قاله عنك عبد الرحمن؟ قال له: وماذا قال؟ قال: قال كذا وكذا وكذا، قال: لا، إن ما بيننا لم يصل إلى ما ذَكَرْتَ.
(يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا) - ولكن لا فجور في الخصومة، فلا يتقوَّل على أخيه، ولا يُشنِّع على أخيه، ولا يحاول أن يُبرَّر فعله وينسب ذلك إلى أخيه، وإنما الأدب التام الذي علمَّه لهم الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. بل إن المنافقين عندما يريدون أن يفرِّقوا بينهم لا يستطيعون، لأن لهم من نور الإيمان دليلٌ وبرهان يكشف كذب أهل الزور وأهل البهتان.

ذهب رجلٌ إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه في قضية، وبعد أن عرضها عليه حَكَمَ له بِحُكْمٍ، وبعد انصرافه من أمام أبي بكر قابله عمر - وهو القاضي – فسأله: ما كنتَ تصنع؟ فقصَّ عليه القضية، فقال: لا، الحكم فيها كذا وكذا. فدخل الرجل - ليصنع فتنة - وقال لأبي بكر: أيكم الخليفة؟ أنت أم عمر؟ قال: أنا الخليفة، واعمل بما أمرك به عمر. سبحان الله!! رجالٌ صدقوا، وَصَفَهُم حبيبُ الله ومصطفاه حيث قال في شأنهم:
(عُلَمَاءٌ، حُكَمَاءٌ، فُقَهَاءٌ، كَادُوا مِنْ فِقْهِهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ). (أبو نعيم في معرفة الصحابة والحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق".)

كان فيما بينهم الحكمة البالغة، والمودَّة التامة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلَّم في شأنهم: (إن من أمتي رجالٌ ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيُّون والشهداء لمكانتهم وقُربهم من الله عزَّ وجلّ يوم القيامة. فقال أعرابي: يا رسول الله، رجالٌ ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيُّون والشهداء!! صِفْهُمْ لنا. قال: هم أناسٌ من أمتي، من قبائل شتى، وبُلدان شتَّى، توادُّوا بِرُوحِ الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها فيما بينهم، فواللهِ إنَّ وجوهَهُم لنُور، وإنَّهم لعَلَى مَنَابِر من نُورٍ قدَّام عرش الرحمن يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس وهم الآمنون. ثم تلى قول الله عزَّ وجلّ: "أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (62: 64يونس).( أبو داود عن عمر رضي الله عنه)

وقال صلى الله عليه وسلَّم: (التائب حبيب الرحمن والتائب من الذنب كمن لا ذنب له) ، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، الحمد لله الذي هدانا لهذا الهُدى، وشرح صدورنا للإيمان وجعلنا من عباده المسلمين، ونسأله عزَّ وجلّ أن يُحيينا على الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، حتى يتوفانا مسلمين ويُلحقنا بالصَّالحين.

وأشهد إله إلا الله وحده لا شريك، يُحقُّ الحقَّ ويُبطل الباطل ولو كره المجرمون.

وأشهد أن سيدنا محمداً عَبْدُ الله ورسولُه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وتركنا على الملِّة السمحاء والمحجَّة البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وارزقنا هُداه، ووفقنا للعمل بشريعته واتباع سنته يا الله، واجعلنا ممن يُحشر تحت لوائه يوم الدين، ويفوز بجواره في جنة النعيم، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين.

"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (10الحجرات).
أَمَرَ الله كلَّ مؤمنٍ أن يسعى - من نفسه بدون طلب ولا استدعاء - للصُلح بين أىِّ مُسْلِمَيْنِ اختلفا قريباً منه، أو علم أمرهما ويستطيع أن يَفْصِلَ بينهما، وإن قصَّر في ذلك يحاسبه الله عزَّ وجل عزَّ وجلّ على ذلك. لِمَ رأيت أخويك فلاناً وفلانا - وأخويك في الإسلام، ولا أقصد في العائلة فقط - يختصمان ولَمْ تتدخَّل لإزالة ما بينهما من شحناء، ألا تعلم أنك لو أصلحت بين مُسْلِمَيْنِ كان خيراً لك من كل العبادات النفلية التي تُوجب محبَّة ربِّ البرية؟!!
كان خيراً لك من قيام الليل، ومن صيام النهار، ومن تلاوة القرآن، ومن أعمال الخير والبرِّ، لأنك أصلحتَ بين نَفْسَين مسلميْن كما طلب الرحمن عزَّ وجلّ في القرآن، ولذلك قال صلى الله عليه وسلَّم مُقرِّراً هذه الحقيقة: (ألا أدلُكم على ما هو خيرٌ لكم من الصلاة – أى: النافلة – والصيام – أى: النوافل - والصدقة والحج؟ – أى: النوافل، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إصلاح ذات البين). (الترمذي وأبو داود من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه)

لأن تقضي بضع ساعة في إصلاح رجلين خيرٌ لك من قيام هذه الليلة من العشاء إلى الفجر في ركوعٍ وسجودٍ لله عزَّ وجلّ، لأن الركوع والسجود لك - وربما لا تحضر فيهما النفس، وربما لا يخشع فيهما القلب، وربما يُصاب بهما الإنسان بداء الغرور، وربما يظُن أنه خيرٌ من غيره فيُحبط عمله - لكن هذا عملٌ إجتباه الله ورضاه.

لأن تقضي بضع دقائق في إصلاح مُسْلِمَيْنِ في النهار خيرٌ من صيام النهار أبد الدهر، لنسارع في هذه القضية التي قلَّ ونَدُرَ في عصرنا من يقوم بها الآن، منهم من يقول: لمْ يستدعِني أحدٌ لها، نقول له: ألا تعلم؟ يقول: أعلم، ولكن لم يَدْعُني أحدٌ للصُلح، ومنهم من يقول: حتى يضع كل واحدٌ شيكاً بمبلغ كذا وكذا من الجنيهات على المنضدة، ويتمُّ الحكم بينهما، ومنهم من يقول كذا وكذا. لكن النبوة لم تشترط ذلك!! وأصحاب النبيِّ لم يفعلوا ذلك!! بل كان كل واحد منهم يسارع مِنْ قِبَلِ نفسه في الإصلاح بين المؤمنين.

قد يقول قائل: إنِّي رجل في نظري وفي نظر غيري ضعيف، وماذا يصنع الضعيف والفتنة بين طائفتين أقوياء؟ أقول له: خُذْ قول الله عزَّ وجلّ: "إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا" (35النساء). لو أردت الإصلاح - بصدقٍ ويقين - فإن الله سيمدُّك بمدده، ويُعينك بعونه، وتستطيع أن تقضي على هذه الفتنة مع أنك في نظر الناس ضعيف!! تأييداً لقول الله الذي أنزله في كتاب الله عزَّ وجلّ.

علىَّ أن أسعى، وإذا رفض أحد الطرفين أحذِّره بقول النَّبِيِّ الأمين، قال صلى الله عليه وسلَّم: (مَنْ جاءه أخوه متنصِّلاً - أي معتذراً - فَلْيَقْبَلْ منه مُحقًّا كان أو مُبطلاً، فإن لم يقبلْ لا يَرد علىَّ الحوض). (الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه) الذي يأتيه أخوه أو يُرسل إليه يريد صلحه ويرفض، لا يرد الحوض على رسول الله.

إذا كان الله جلَّ في عُلاه مهما يرتكب المرء من خطايا على ظهر الأرض إذا قال: تُبتُ يا ربِّ، يقول: وأنا قبلت، ويقول للسماوات وللملائكة عُمَّار السماوات فيم معناه: (بُشرى يا ملائكتي، فقد اصطلح عبدي معي، افتحوا أبواب السماوات لقبول توبته، ولدخول أنفاس حضرته، فَلَنَفَسُ العبد التائب عندي يا ملائكتي أعزُّ من السماوات والأراضين ومن فيهن). ربُّ العزِّة عزَّ وجلّ يأتيه الظالم - الذي لا حدَّ لما ارتكب من المظالم - ويقول: تُبتُ، فيقول الله: وأنا قبلت، فلِمَ لا تكون أنت يا أخي على أخلاق الله؟!!!

إن الله كريم عفُوٌّ يُحب العفو، فلماذا لا تعفو لتنال عَفْوَ الله في الآخرة إن شاء الله؟ لماذا لا تغفر لتنال غُفران الله جلَّ في عُلاه؟ لماذا لا تكون على أخلاق حبيب الله ومصطفاه؟ وقد أمرك الله أن تتأسى به وتمشي على هُداه، وقال له في كتاب الله: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" (199الأعراف).

قد تكبِّر النفس والشيطان والناس من حولي الأمر في نفسي ويقولون: أنت لو تنازلت وتصالحت مع فلانٍ ستسقط مكانتك، وستنزل درجتك، وستكون ذلِّة لك. أقول لهم: لا، لقد قال صلى الله عليه وسلَّم: (مازاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزِّاً) (رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.) لا يعفو الإنسان إلا وزاده الله من عَزِّه، لأنه تخلَّق بأخلاق الله وقد قال صلى الله عليه وسلَّم: (إن الله يحب من خلقه من كان على خلقه).

ولذلك يا إخواني اعلموا علم اليقين أن الأرزاق والبركات تنزل من السماء على المؤمنين إذا سارعوا فيما قلناه، وفي تحقيق ما أمرنا به ربُّ العالمين. إذا نسي المسلمون هذا وتركوا المسلمين - هذا يحُطُّ على ذاك، وهذا يخاصم ذاك، وهذا يرفع الشكايات الكيدية على ذاك، وهذا يُهدِّد بأعمالٍ عُدوانية ذاك - كما نرى الآن - ارتفعت عنا عناية السماء، وحُرِمْنَا البركات في الأرزاق، وكنا - كما نرى جميعاً - في همٍّ وغمٍّ ونكدٍ على الدوام، بسبب حالنا الذي أصبح لا يُرضي الملك العلام عزَّ وجلّ.

فعلينا جماعة المؤمنين أن نصلح أحوالنا حتى تكون بلادنا طيبة، "وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ" (58الأعراف). ولو أنا أصلحنا أحوالنا لانطبق علينا قرآن ربِّنا: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ" (96الأعراف)


خطبة جمعة لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد

لقراءة وتحميل الخطب الاسبوعية لوزارة الأوقاف فضلاً اضغط على هذا الرابط

https://www.fawzyabuzeid.com/%d8%a7%...1%d8%a7%d8%aa/

 
القيم الإنسانية في سورة الحجرات خطبة جمعة
قديم منذ /08-03-2020, 07:27 AM   #2
دليل ماليزى

ضحكة خجل غير متواجد حالياً

 تاريخ التسجيل : Mar 2020
 المشاركات : 2

مفهوم الشهادة ومنازل الشهداء خطبة جمعة

الحمد لله رب العالمين، واسع الفضل والوجود، جزيل العطاء الذي يُعطيه في الدنيا والآخرة بلا حدٍ محدود، سبحانه سبحانه نسأله عز وجل أن يسعنا في الدنيا بفضله وجوده وبره أجمعين، وأن يجعلنا من أهل مقامات السعادات العُظمى يوم الدين، في جوار خير النبيين والمرسلين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يُحب التوابين ويُحب المتطهرين.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، الرحمة العُظمى لنا وللخلق أجمعين، الحريص علينا والشفوق بنا، والذي وصفه بذاك ربه في كتابه المبين فقال:

? لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ? (128التوبة).

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين، وعلى صحابته المباركين، وعلى كل من اهتدى بهديه ومشى على هديه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم ومنهم أجمعين آمين آمين يا رب العالمين.

أيها الأحبة جماعة المؤمنين:

تعالوا معاً ننظر إلى قطرة من رحيق عناية الله تعالى بنا جماعة المؤمنين أجمعين، وإلى شفقة وحدب وحرص الرسول صلى الله عليه وسلَّم على أمته، وعلى أهل الإسلام أجمعين:

علم الله عز وجل وهو العليم الحكيم أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي المقر والمستقر، وكل ما يحتاجه العبد ليكون عزيزاً عند الله، كريماً في الدنيا والآخرة بين خلق الله، أن يكون له منزلةٌ كريمةٌ يخرج عليها من الدنيا عند مولاه تبارك وتعالى.

وعلم الله عز وجل عجزنا وقصورنا في هذه الحياة الدنيا، لشواغلها الكثيرة وأحوالها العجيبة، والنفس معنا وقد جُبلت على تسبيط الهمم عند الطاعات، والشيطان يعينها على تحقيق هذه الأشياء، فكان كرم الله عز وجل علينا لا يُحد.

قيَّض الله عز وجل لهذه الأمىة الكريمة أن يكونوا عند لقاء الله في أعلى المقامات، وما أعلى المقامات في كتاب الله؟ في قول الله تبارك وتعالى:



? وَمَنْ يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ ? (69النساء).

وهم الذين نسأل الله أن نكون منهم في ركعة من ركعات الصلاة، فنقول له ضارعين سائلين:

? اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ? (7) (الفاتحة).

من الذين أنعم عليهم الله بالمقام العلي والكرم والجود الإلهي؟

? فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ الله ? (70) (النساء).



أما منزلة النبوة فهذا إصطفاء واختيار واجتباء من الله تبارك وتعالى، ومع ذلك قربنا الله عز وجل بفضله وجوده إلى قرب القرابة منها، فقال حبيبه صلى الله عليه وسلَّم:

(من حفظ القرآن بين جنبيه، فكأنما وعى النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يُوحى إليه).

يكون في مقام النبيين ما دام حافظاً وعاملاً بكلام رب العالمين عز وجل.

أما مقام الصديقين فقد جعلنا الله عز وجل فيه أجمعين، ما دمنا قد صدَّقنا به الله، وبما جاء به رسولنا من عند الله، وبكل ما جاء في كتاب الله:

? وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ? (33الزمر).

وأما مقام الشهداء، وما ادراك ما الشهداء؟


لهم عند الله عز وجل ما لا نستطيع حصره من الفضل والخير والتكريم والجزاء، فإن الشهيد عند الله عز وجل يُغفر له عند أول قطرة تنزل من دمه كل ذنبٍ فعله، يُتوَّج يوم القيامة بتاج الوقار، ولا يخشى هماً ولا باساً ولا نصباً يوم الدين، ويُشفَّع في سبعين من أهله كلهم قد استوجب النار، ويدخل الجنة مع الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، ويُنعم في قبره بروضة من رياض الجنة، ويكون من الآمنين يوم الدين:

? أُولَئِكَ لَهُمُ الامْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ? (82الأنعام).

هذه الإكرامات وغيرها جعلها الله عز وجل للشهداء، وأعلى الشهداء مقاماً هو الشهيد في سبيل الله، وهم ثلاثة أصنافٍ ذكرهم في حديثه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فقال صلى الله عليه وسلَّم:


(من قاتل في سبيل الله فمات فهو شهيد، ومن قاتل دون ماله فمات فهو شهيد، ومن قاتل دون عرضه فمات فهو شهيد).


الشهداء هم أصحاب المنازل العالية والدرجات الراقية الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الله، يُحاربون الكافرين والمشركين والمناوئين لهذا الدين طلباً لإعلاء شأن دين الإسلام.

ومن هُوجم في نفسه فدافع عن نفسه فمات، ومن أراد أحدهم إستلاب عِرضه أو إحدى نسائه، فدافع عنها فمات فهؤلاء هم أعلى الدرجات في الشهادة عند الله.

ومع ذلك جعل نبينا صلى الله عليه وسلَّم أغلب من يموت في هذه الأمة من الشهداء، وقال صلى الله عليه وسلَّم مبيناً سعة الفضل الإلهي:

(أكثر شهداء أمتي أصحاب الفُرش).

أي الذين ماتوا على فراشهم، لا بسفك دمٍ ولا غيره، ولما رأى عجب أصحابه صلوات ربي وتسليماته عليه، قال لهم متسائلاً ليبين لهم:


(ما تظنون الشهيد فيكم؟ قالوا: الذي قُتل في سبيل، قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل، ولكن المبطون شهيد ـ يعني الذي يموت في داءٍ في بطنه أياً كان فهو شهيد عند حضرة الرحمن عز وجل إن مات في دائه ومرضه هذا ـ والغريق شهيد ـ الذي غرق رغماً عنه، وليس الذي يُلقي بنفسه ليغرق لأن هذا منتحر، وهذا تحرم عليه الجنة لأنه إنتهك نفساً حرم الله عز وجل قتلها ولو كانت نفسه التي بين جنبيه.

والغريق شهيد، والحريق شهيد، والنفساء شهيدة).

والنفساء التي تموت في ولادتها، أو عقب ولادتها مباشرةً فهي شهيدة عند الله.


وعد النبي صلى الله عليه وسلَّم في أحاديث أُخرى، جمعها السادة العلماء الأتقياء الأنقياء فوجدوها أكثر من أربعين خُصلة كلها تجعل صاحبها شهيداً عند الله، وإذا قرأناها أو سمعناها فلا يخلو مسلماً في أي زمانٍ أو مكان إلا بخُصلة من هذه الخُصل ليموت شهيداً عند الله تبارك وتعالى فضلاً من الله ومنة والله عزيز حكيم.

نشير إلى بعضها في عُجالةٍ سريعةٍ حتى لا نطيل عليكم، فيقول صلى الله عليه وسلَّم:

(والغريب شهيد الذي مات بعيداً عن موضع إقامته ـ ولو كان حتى في بلدته ، فهو شهيدٌ عند الله عز وجل ـ والذي رفسته دابة فوقع من فوق دابةٍ فمات فهو شهيد، والذي وقع عليه جدارٌ فمات فهو شهيد، وطالب العلم إذا مات أثناء طلبه لعلم لوجه الله فهو شهيد، والمريض بالحمَّىى إذا مات في مرضه فهو شهيد).


عدَّ النبي أنواع الشهداء حتى نعلم علم اليقين فضل الله علينا، وإكرام الله تبارك وتعالى لنا جماعة المسلمين.

ولم يكتفي صلوات ربي وتسليماته عليه بذلك بل دلنا على أعمالٍ إذا واظب الرجل منا على عملٍ منها ومات كُتب شهيداً، فقال صلى الله عليه وسلَّم على سبيل المثال:

(من قرأ باسم الله الرحمن الرحيم ثلاث ثم قرأ الآيتين في أواخر سورة الحشر:

? هُوَ الله الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ الله الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالارْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ? (24) (الحشر).


إلى آخرها فمات في يومه مات شهيداً، فإذا قرأها في ليلته إن مات في ليلته مات شهيداً).

ودلنا النبي صلى الله عليه وسلَّم على سيد الإستغفار، جعل للإستغفار سيداً وعظيماً ودعانا إلى أن نقوله بعد صلاة الصُبح، وبعد صلاة المغرب وقال فيه صلى الله عليه وسلَّم كما رواه الصحيحين البخاري ومسلم:

(اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت،
أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

قال فيه صلى الله عليه وسلَّم عقبه:

(من قاله في يومه فمات مات شهيداً وأُدخل الجنة، ومن قاله في ليلته فمات، مات شهيداً وأُدخل الجنة).


ما أسهل الحصول على درجة الشهادة، وما أسهل دخول الجنة لمن يوفقه الله عز وجل للعمل بالسنة، واتباع الحبيب المختار فتلك أمورٌ يسيرة لكنها ذات أجورٍ كبيرة.

نسأل الله عز وجل أن يوفقنا إليها أجمعين.

قال صلى الله عليه وسلَّم:

(من قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا فهو سبيل الله).

أو كما قال:

أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.


الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين الذي أكرمنا بالهدى والنور وجعلنا من عباده المؤمنين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُحق الحق ويُبطل الباطل في قلوب عباده الصادقين، نسأل الله عز وجل أن نكون منهم أجمعين.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، الشفوق الرحيم بالمؤمنين، والصاحب لكل مؤمنٍ في مسيرة حياته ليدله على ما يُحبه الله ويرضاه، والشفيع الأعظم للجميع يوم لقاء الله.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الأحبة جماعة المؤمنين:


جعل نبيكم صلوات ربي وتسليماته عليه لأمرٍ آخر عظيم، أن يحصل الإنسان به وبشأنه على درجة الشهادة بمجرد التفكير فيه، هذا الأمر العظيم هو صمام الأمن في كل المجتمعات في كل وقتٍ وحين، مالذي يجعل الناس تتجه إلى الله وتخاف الوقوع في معاصي الله، وعمل ما يُغضب الله؟

تذكر لقاء الله وتذكر الموت وأنه لابد يوماً سيخرج من الدنيا للقاء مولاه، وتذكر الآخرة وعلمه بأنه سيُعرض في هذا اليوم وسيراه جميع الخلق وتُعرض أعماله كلها على الجميع، ولا منجاة في ذلك اليوم إلا الحبيب الشفيع صلى الله عليه وسلَّم.

فأمرنا معشر المؤمنين أن نضع هذه الفكرة في بالنا على الدوام، فقال صلى الله عليه وسلَّم:

(من تذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة، إن مات طُبع بطابع الشهداء، وكان يوم القيامة في الجنة إن شاء الله رب العالمين).


نحتاج دواماً جماعة المؤمنين إلى تذكر هذا الأمر وخاصة أننا نعلم أنه أقرب إلينا من حبل الوريد.

ربما يتنفس الإنسان ولا يرجع النفس مرةً أخرى إلى صدره، ويخرج للقاء الله، وربما ينام ولا يستيقظ من نومه، وربما يجلس في مكانٍ ونحركه من فوق الكرسي نجده قد فارق دنيانا ورحل إلى الله:

? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ? (34لقمان).

الموت يقصر الأمل، فيحول العمل إلى العمل الصالح، فإذا سهى الإنسان أو نسي الأجل، طال أمله في الدنيا فوجدته ينافس في حطامها، والدنيا كما قال الإمام عليٍّ رضي الله عنه وكرم الله وجهه:


[الدنيا تغرُّ، وتضر وتمر] ـ فينساق في الشبهات أو ينساق في المحرمات، أو ينساق فيما نهت عنه التشريعات، فإذا جاء الموت دخل في قوله صلى الله عليه وسلَّم:

(يُبعث المرء على ما مات عليه).

المهم حُسن الختام، وحُسن الختام يقتضي من المرء اليقظة على الدوام، وأن يتذكر دائماً أن الدنيا إلى فناء، وأن المستقر عند الله عز وجل في الدار الآخرة في دار الجنة دار الجزاء.

نسأل الله عز وجل أن يُثبتنا على الخير والحق والنور حتى نلقاه، ويتوافانا مسلمين ويُلحقنا بالصالحين.


ونسأله عز وجل أن يحفظنا من فتن هذه الدنيا، ومن أهوائها وشهواتها وحظوظها، وأن يجنبنا مجالس أهل الغفلة والبطالة فيها، وأن يجعلنا فيها دوماً مع عباده الصادقين المستقيمين.

اللهم اجعلنا دوماً فيما تحب وترضى، ووفقنا لكل عملٍ ترضاه، واحفظنا بحفظك من كل المعاصي والفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللسملين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات يا أرحم الراحمين.

اللهم بارك لنا في بلدنا وارزقنا فيها خيراتٌ كثيرة، وتنزل فيها بنعمٍ وفيرة، حتى تغنينا بما تفيضه علينا عن معونات الأصدقاء والأعداء، ومساعدات الآخرين أجمعين.


اللهم اجعل بلدنا بلداً آمناً مطمئناً يرفرف على أهلها السلام والوئام والمحبة على الدوام، وارزق قادتها العمل لخير البلاد والعباد، واجمع عليهم البطانة الصالحة واحفظهم من البطانة السيئة وأهل الشر أجمعين.

عباد الله إتقوا الله:

?إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ? (90النحل).


من خطب فضيلة الشيخ فوزي محمد أبو زيد
للمزيد من الخطب الأسبوعية لوزارة الأوقاف فضلاً اضغط على هذا الرابط

https://www.fawzyabuzeid.com/%d8%ae%...4%d8%a7%d9%85/

 
القيم الإنسانية في سورة الحجرات خطبة جمعة
قديم منذ /09-03-2020, 08:07 PM   #3
دليل ماليزى

ساحره الجنوب غير متواجد حالياً

 تاريخ التسجيل : Jan 2020
 المشاركات : 12

رد: القيم الإنسانية في سورة الحجرات خطبة جمعة

بسم الله الرحمن الرحيم
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .


 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فضل سورة الكهف محمد نج دليل ماليزيا المفتوح 2 05-04-2015 06:01 AM
سورة الكهف موظف 3 دليل ماليزيا المفتوح 1 10-01-2014 09:22 PM

أستضافة الفراعنة للتكنولوجيا والتطوير

استضافة الفراعنة للتكنولوجيا والتطوير


الساعة الآن 12:16 AM حسب توقيت ماليزيا .


Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لـ الشركة العربية لـ السفر و السياحة فى ماليزيا
جميع الحقوق محفوظة لدليل ماليزيا - تصميم شركة المودة